أخبار عاجلة
الرئيسية / كتاب وآراء / اعصار الشمس

اعصار الشمس

جريدة البديل السياسي م.م محمد هلال 

إعصار الشمس
                قصة بقلم الأديبة سحر القوافي


كبات الريح بالخارج أطبق صفيرها صمت الليل الشتوي الحالك الطويل وأيقظ شهقات الروح المعذبة.. وتغلغل كوب الشاي الأخضر الذي بيدي في دهاليز الوحدة ومرارة الشجن وقر الصقيع وشظف السنين العطشى وغاص في صفحات الكتاب التي بدت باهتة وفي خاطري تلاطمت أمواج الذكريات العاتية وأنين المخاض العسير الذي بات يقض مضجعي ويؤرقني..وامتد الأسى يتدفق في أوصالي ويغمس فؤادي في سعير الوجع القاسي ..وفي مخيلتي ارتسمت الأكواخ القصديرية البائسة المتناثرة هنا وهناك عند مدخل القرية الغارقة في البؤس والفاقة..حيث تشارك الدواجن والأنعام الإنسان حياته وفناء كوخه..وتقاسمه شيئا من الشقاء والتعاسة والكدح والحرمان..وأطفال حفاة عراة  يلعبون بكرة ممزقة ويتمرغون في الوحل..ورائحة العفونة تنبعث من المياه الكدرة التي تجري في أثلام تتفرع من تلك الأكواخ لتصب بالثلم الأكبر الذي يتوسطها..من الأوردة إلى القلب ..أوراق صفراء يابسة متساقطة من الشجر المبعثر في الحي البائس وعلب المواد الغذائية الصدئة وقطع البلاستيك والأكياس والأحجار والحطب وفضلات الحيوانات تكاد تسرط وجه التربة المنكوشة التي تتعثر فيها أقدام العجائز والأطفال وتدب عليها الجردان والضفادع  ويعتلي أفقها البعوض والذباب ومختلف الحشرات الطائرة.. مناظر موجعة مقززة تشعرك بالغثيان والرغبة الجامحة في التقيء..فحتى الكلاب تنبح لتشي بوجودها وتدمرها وجوعها وبردها..تلسعها سياط القر وتلفحها  نيران الحر..تجوب الحي من أقصاه إلى أدناه..وتعوي كالذئاب عندما يرشقها الصغار بالحجارة ..وليل الشتاء مقيم ومرعب ..مارد مريع يطوق الحي بجناحيه ..يرتفع فيه الأنين والشخير والٱهات والبكاء والنباح والخوار والمواء والصياح والنهيق..أما الصدور فيملأها الفراغ واليأس والغضب..وعند المخرج الشرقي للحي تربع بيت العرافة حيث يلتقي فيه الجهل والسحر ورائحة البخور ويدق الطبل وتكتب التعاويذ وتتلى وتؤدى الطقوس الغريبة..وتذبح الديوك الحمراء والسوداء ..
في هذا الحي البائس تلتهب الألسنة بالقيل والقال..وتترقب العيون الطالع والهابط الذاهب والٱيب والحافي والمجنون ..تتعارك النسوة والأطفال والقطط والكلاب والدجاج..وتختم الجباه وسواعد العجائز ووجناتهن الأوشام الزرقاء الغائرة ..وتتدلى الضفائر السوداء والبنية والمخضبة بالحناء أسفل المناديل وتبرق العيون الواسعة المكحلة بمعاني البؤس والحرمان والوجع ..وتتطاير أطراف العمائم وتلوح العصي في الهواء.. وهنا مازالت فاطمة الشابة اليافعة تحلم بعودة ابن الشمس ..
كان يسكن في أعلى الحي قرب صنبور الماء الوحيد الذي يرتوي منه الأهالي  ..تقبع جوار بيته شجرة زيتون عريقة..تمتلىء ثمارها السوداء اللامعة زيتا ..وتمتد جذورها إلى عمق التربة الطاهرة الندية لتباركها بالاخضرار والعطاء ..غريب لفظته حروق الأرض ..يرنو إلى الشمس دوما..يرضع نورها حتى يتفتق حرها بأعماقه..متفردا فر وأمه من ظلال القصب والأكواخ المهترئة ورائحة العفن..هكذا كان هارون في نظر فاطمة..الشاب الجامعي الطموح الذي استطاع أن يتغلب على وجعه وحرمانه  ويحصل شهادة علمية تنفعه ..غير أنه تعب في رحلة البحث عن وظيفة تحفظ كرامته ومنزلته وسئم من تقديم الملفات للمشاركة في مسابقات وهمية نتائجها محسومة مسبقا بالمحاباة والبيروقراطية، فقرر أن يركب مع معشر من رفاقه قارب الموت في رحلة محفوفة بالمخاطر..مجهولة العواقب والمصير..هارب من اليأس والبؤس إلى رعب المجهول..إلى ضفة الأحلام ..وربما إلى الذل والحقرة والعنصرية..فالعربي ممهور هناك بتهمة الإرهاب والتعصب والتخلف.. 
كانت فاطمة تترقب أي خبر عنه ..وتنتظر رجوعه بشوق ولهفة ..فهو شاب مختلف عن أبناء الحي أميل إلى الصمت والهدوء..يقضي معظم أوقاته بين صفحات الكتب.. وترتعد أوصالها خوفا كلما فكرت أنه غرق في عرض البحر أو أنه تزوج من امرأة أجنبية بعدما عثر على وظيفة..و كثيرا ماتزور الخالة حليمة والدته لتعرف عنه شيئا ليطمئن قلبها خاصة بعد أن وعدتها بخطبتها له حالما يعود..
مازالت تتذكر كلمات العرافة له قبل سفره :
ستسافر يابني..وستتقلب الأحوال من عاصفة ثلجية إلى زوبعة لا تولد إلا في كنف حمامات الدماء والرعب ..
ابن الشمس تقول العرافة عنه شاة جمحت عن القطيع ..قطرة ماء تسقط في الثرى القاحل..عصفور يطير نحو الشمس ويتبعها ..كائن سحري يجوب الفيافي ويتسلق الجبال ويشق عباب البحر..يحلق فوق السحاب..
قالت العرافة وقد تقمصت رداء المنجمين والدراويش وألقت بحجر الباخور في كانون ملتهب الجمرات:
عاصفة تأتي شاهرة الرمال والحصى والغبار والأشواك وسعف النخيل وأغصان الزيتون ..تقلق السلطان ..تذيب الصقيع عن الأرواح وتمسح عن السماء السحب والضباب..
وأخرى تجتاح ربوع الوطن .. ترعد وتبرق وتدر المطر..تهيج البحر وترعش جدائل الشمس..وتعتق الأرواح المكبلة ..
وثالثة تضرب كالإعصار .. تدوس غطرسة الجبل تعريه ..تهدم قصور سيدي الحاكم وحاشيته ..تتوغل إلى جميع الخواطر والأفئدة وتمسح عنها اليأس والشجن وتزرعها أملا وبسالة ..فيعود الحمام وتبرعم الأحلام في أرض الوطن ويزدهي الربيع ..
عاصفة يحلم بها ابن الشمس ويترقبها ..يتأهب لمراسيم عرسها ..
ثم ضربت بكفها  صدرها وتابعت حديثها : أتكلم عن لهيب الصدر المكتوم ونزيف جراحه ..عن الأعاصير المكبوتة في أرواح الحيارى والبائسين والمحرومين والمفقودين وسجناء الرأي والحيف والجور..حرقة العمر ورماده ..النور الذي يغرق في الدجى .. ابن الزيتون والجياد والرمال..ابن الخيام والنخيل والقمح والبحر..إعصار الشمس..
وأشارت بيدها المخضب بالحناء نحوه ..
ثم اعتدلت في وقفتها ومدت يدها إلى ثقب في الجدار الحجري العتيد..وهي ترمق فاطمة بنظرات مبهمة حائرة ..وقد تدلت ظفيرتها السوداء على صدرها الناهد..فبدت كإحدى أميرات القرون الوسطى ..حافية القدمين..ترتدي ثوبا هفهافا مزركشا بشتى الألوان.. ووجهها الأسمر يختزل الأسرار والخبايا وشتى معاني الحياة ..
قصة قصيرة بقلم الأديبة الجزائرية سحر القوافي.. مجموعة شطٱن المرٱة

شاهد أيضاً

   استـــــراحـــــة  …:   بقلم ذ.محمادي راسي  

  جريدة البديل السياسي /                      …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *