الرئيسية / كتاب وآراء / انطبـــاعـــات حول لــــحظـــــــات وبرهات عـــابرة … بقلم ذ.محمادي راسي  :

انطبـــاعـــات حول لــــحظـــــــات وبرهات عـــابرة … بقلم ذ.محمادي راسي  :

 

جريدة البديل السياسي: بقلم ذ.محمادي راسي  :

 

             انطبـــاعـــات حول لــــحظـــــــات وبرهات عـــابرة 

            /&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&/

                           ليلة فاتح غشت    2019 هطلت الأمطار مدرارا، لأن السماء كانت ملبدة بالغيوم والرياح الشرقية كانت قوية،  والبرق الذي كان يلمع ليلا يعلن من بعيد عن الطقس المتقلب ونزول الأمطار ، لم نعد نصدق المثل الإسباني الذي يقول بالمعنى ؛ "إلى أربعين من  ماي لا تنزع البذلة أو الثوب أو السترة " ، أي إلى اليوم العاشر من يونيو،ومن خلال ما شاهدناه يمكن أن نقول :إلى فاتح غشت لا تنزع الثياب الشتوية ، إن المناخ في تقلب مستمر فالصيف أحيانا  يتحول إلى فصل الشتاء ، من جراء التقلبات المناخية ، ففي الأسبوع الأخير المنفرط من شهر يوليوز سقطت الثلوج بإسبانيا ، وهطلت الأمطار بكثرة فتسببت في الفيضان الذي كبد خسائر مادية وبشرية …  ونحن في وسط صيف صائف .  

                    في  صباح فاتح غشت توجهت إلى البحر بدون ظلة شمسية ، كانت الطبيعة كلها رمادية تلونت بلون الغيوم كالحرباء  ، السماء/ الأمواج/ الرمال الذهبية/اليم / الكل تحول إلى لون رمادي ، والسراب غائب رغم الحرارة المفرطة في غشت قلب الصيف ، كأنه تحول إلى الضباب ، البحر هائج بعلاجيمه العالية العاتية المخيفة  ،تترادف وتتسابق وتصطدم وترغي وتزبد كأنها غاضبة لا تساعد على السباحة في اليم ، صوته فاق صوت الطائرة والقطار ، لم يعد حسيسا موسيقيا هادئا أو سيمفونيا بين القوة والضعف واللين والرقة والرخم ، كنت وحيدا أصابني الخوف في ذلك الفضاء الخالي، وأمام  عظمة البحر كأنه يقترب مني ويريد أن يبتلعني ، وكأنني أمام شاشة تلفزيونة ذات ثلاثة أبعاد .    

                          التفتّ يمينا وشمالا  فألفيت "شيتو" ورائي كلب الجيران الذي كان يدنو مني كلما قدمت له أكلا ، فأصبح صديقا لي خلال هذا الصيف ، ولم تعد تلك المقولة صالحة  "أجع كلبك يتبعك"، والكلب سيبقى كلبا ولو طوقته ذهبا ،وكذلك القرد سيبقى قردا وإن لبس الإبريسم والدمقس، وكلب عس خير من أسد رابض ،ولابد من احترام الحيوان ، وألا يعامل الكلب كما فعلت حومل فقيل فيها "أجوع من كلبة حومل "،" تربطها في الليل لتحرس بيتها،  وتطردها في النهار لتلتمس لها طعاما ، فلما طال عليها ذلك أكلت ذنبها من الجوع فصارت مثلا "كما تقول الرواية ، ثم حضرت كلبة لا أعرف اسمها صديقة "تشيتو" فشرعا يجريان يتسابقان كأنهما يرقصان من كثرة الفرح والشعور بالحرية والشاطئ رحب خال من المصطافين ، يلعبان يتهارشان يتعاظلان فوق الرمال الذهبية المبللة بمياه البحر ، بل ؛ يسبحان في البحر بدون وجل ، لأنهما  يشعران أنهما في مأمن وأمن ،ولا يخافان من شخص أجنبي ، يكران يفران يقبلان يدبران كفرس امرئ القيس ، كأنهما في سباق للخيول بدون حلبة وتنظيم وإعلان وإشعار وانتظار حضور المتفرجين … قضيت لحظات وبرهات من المشاهدة التي كانت جميلة وممتعة ، وأنا أحتأ إليهما ، كأنني أمام شريط تلفزيوني أو سينمائي ،أو عرض مسرحي في الهواء الطلق ،أو أمام حلبة في المصارعة الحرة ، أوفي  الملاكمة ….، أو كفن الرسم الممارس في الطبيعة ، "تشيتو" كان بين آونة وأخرى يطارد النوارس التي وقفت بالشاطئ خوفا من الأمواج، لا تستطيع صيد الحوت لاضطراب مياه البحر ، ولكنها في حيرة وحيطة وحذر، أحذر من قرلّى ومن غراب ومن ذئب ،وأحيانا الحذر أشد من الوقيعة …بينما الخطاطيف تطير بأجنحتها ،وتمشي مزقزقة بأرجلها بسيقان رقيقة نحيفة نحو الطغم ، وكلما رأت الأمواج تدنو إلا وطارت ورفرفت ، فهي تبحث عن دود يكون مدفونا في الرمل يصطاد به الصيادون، فوجودها لم يكن عبثا كما يحدث لنا أحيانا؛ نكون ك / كاموسيين وسارتريين وسورياليين وهيبيين وطوباويين وبوهميين ومجدوبيين …بين الغثيان والعبث والعيش في الأبراج العالية …..  

                                       كان الشاطئ خاويا ولكنه كان مخيفا باضطرابه ، الصيادون يتفقدون قواربهم القريبة من البحر ، أما محركات جر الشباك فيبعدونها  خوفا من أن يبتلعها اليم ، علينا جميعا أن نتخذ الحيطة والحذر من غضبة الطبيعة القوية الشديدة …، أين ما كان على الشاطئ؟ لم  يبق أحد ، أين تيههم وعجرفتهم و سلوكاتهم المشينة فوق الرمال …؟؟ الطبيعة في غضبها أحيانا تلقننا دروسا جديدة فريدة ، تؤدبنا وتهذبنا وتنبهنا ، ـــ  لأنه يصيبنا الغرور والتبجح والافتخار وادعاء العظمة ـــ عن طريق الأعاصير والزوابع ، وفيضان اللافظة ، والزلازل التي لا يمكن مقاومتها وإيقافها ،الظواهر الطبيعة أحيانا هي التي تنوب عن السلطة في  إخلاء الملك العام من المحتلين له بدون سند وقانون ،كما الشأن في شوارعنا وحدائقنا المحتلة ، علاوة على الفوضى والضجيج ليل نهار؛ إنها خدمات خبيثة وديمومة مزعجة مقلقة لراحة الساكنة خلال أربع وعشرين ساعة …                      

                              جير ؛إنها  لحظات عابرة وبرهات ملهمة سائرة لا ترجع إلى الوراء ، ومشاهد مختلفة فيها الجميل والقبيح والمسرات والأحزان ،فيها ملقطان وعظمة ورعونة وجنون  وهويس وهلاث ،فيها تواضع ووجوم وهدوء ودعة ، أحيانا ندونها نثرا أو نظما أو نتغنى بها مصحوبة بالموسيقى ،أو نسجلها بواسطة الهاتف ، عن طريق "الفيديو" ،  إن ارتسامات وانطباعات حول تلك اللحظات وغيرها العابرة هي كسحابة صيف أو رمشة عين ، أو دقة قلب أو ثانية أو دقيقة ،وأمير الشعراء يرى أن الحياة عبارة عن دقائق وثوان، وذلك من خلال ما تقوله دقات قلب المرء …وحينما نفكر جيدا نجد  أن كل شيء تافه لا قيمة له حينما تمر عليه أزمنة وفترات ، كالبدع الزائلة، و"الموضات" الزائفة ، و"كما حكى عن خيال الطيف وسنان"، كما قال أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس ، وقصائد أبي العلاء المعري وأبي العتاهية والمتنبي وغيرهم من الذين لهم آراء في الحياة والكون والإنسان …إننا نبتعد عن الواقع من كثرة العيش في الأوهام والأحلام حتى قيل ويقال فينا :إنهم ك"أضغاث أحلام " ، ونتصنع ونتكلف ونتبهرج ونميل إلى اللعب أكثر من الميل إلى العمل ، ونميل إلى الهزل أكثر مما نميل إلى الجد ، ونميل إلى الشر أكثر مما نميل إلى الشبر ،  لا نقدر الأشياء ،ولا نحترم الوقت ولا اللحظات ولا القانون ، ولا نتصف بالأخلاق الحميدة النبيلة ، ولا نملك ثقافة الاحترام ؛احترام الآخر، والمحافظة على الملك العام والخاص ،وممتلكات الغير والبيئة، لذلك فضاءات وحدائق وشوارع مدينتنا مليئة بالأزبال والأدران والسلوكات المشينة ؛من سب وقذف وشتم وكلام ساقط ، وتحرش واستفزاز وابتزاز وشطط ، وريف بحرنا هو أيضا ملوث؛ إهمالا ونسيانا وسلوكا ومعاملة ؛ لا تستطيع أن تشطأ على رماله، ولا أن تجلس فوقها ،ولا أن تسبح في مياهه ،رغم أنه جميل جغرافيا ؛موقعا وشكلا وتربة ومناخا ، عليك أن تبحث عن أماكن أخرى ….وكان الشنفرى الشاعر القديم ؛أحد صعاليك العرب وعدّائيها على حق حينما قال في لاميته المشهورة وتسمى بلامية العرب ؛

وفي الأرض منأى، للكريم ،عن الأذى // وفيها ،لمن خاف القلى، متعزل                                     

                           هذه لحظات عابرة عشتها كنت في تلك اللحظات أعيش في الخيال وأخطط وأحلم وأسافر وأنا جالس، وأفكر حتى في مصير الأمواج المندفعة بقوة ثم تفنى في الرمال  ، وأصور وأتصور أشياء غريبة غير واقعية سريالية كأنني في لحظات شعرية ، أتيه مع حركات الأمواج، وأنام عل صخب البحر، وأخاف من هيجانه إذا جاوز حده، فمن سيرده إلى مكانه المعتاد،؟؟وإن كان إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده …. وكنت أفكر في أن يلفظ أشياء غريبة أو جثث المهاجرين المغامرين المعرضين أرواحهم  للمخاطر ، وفعلا قرأت في بعض المواقع الإلكترونية ،والبديل السياسي أن شاطئ بني انصار لفظ أعضاء بشرية ،وذلك أثناء هيجان البحر في يومي الخميس والجمعة المنصرمين ، لقد فاض ووصل إلى بعض الكثبان ومخاضة الشاطئ وحافته وأشفائه…وفي السبعينات لفظ قارورة زجاجية مغلقة بداخلها رسالة بعنوان ، وبنص يقول؛ من عثر عليها عليه أن يراسل العنوان المشار إليه لمعرفة الجهة التي وصلت إليها القارورة ، وكانت الرسالة أرسلت من مياه بحر الشمال  بهولاند ، ووصلت إلى البحر الأبيض المتوسط شاطئ ثيزيرث ،بالإضافة إلى التفاح والتبغ والخشب والرزم وغيرها ……

                                 وبعد هذه ارتسامات وانطباعات حول لحظات أو  برهات عابرة زائلة ،بتصرفات فيها مبالغة ،وتمثيل ومسرح وتهريج فوق ركح الشاطئ ، ويود البعض بعنصريتهم وأنانيتهم أن يجعلوا حدودا وحيازة وملكية للشاطئ ،ليكون خاصا بهم  ، أي أن ينتقل من الملك العام إلى الملك الخاص، ويريدون بتكبرهم وتفجسهم ونرجسيتهم أيضا لعدم قبولهم الآخر ؛ أن يضعوا حدودا لمياه البحر ليسبحوا فيها لوحدهم ، فهل يعرفون قانون البحار والجغرافية البحرية ويعرفون أعالي البحار والمياه الدولية والإقليمية؟؟؟ وهل يعرفون حدود البحر الأبيض المتوسط   ،؟؟ وهل يستطيعون حد البحر وتجزئته إلى بقع وقطع ؟؟ فالمياه غير مستقرة، وهي دائمة الحركة والهيجان والمد والجزر ..اااا .بأنانيتهم وعنصريتهم يودون أن يبنوا" فيلات " وعمارات فوق مياه البحر، يريدون منزلا عائما، أو باخرة ضخمة ، أو مركبات فضائية في السماء ، أو أن يصلوا إلى سدرة المنتهى …أو أن يطبقوا ما جاء في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ،أو ما ورد في الكوميديا الإلهية لدانتي.  ؟؟؟ااا.لا أظن أنهم قرأوا رسالة الغفران ، ولكن أحكم عليهم على قراءتها إذا عرفوا معنى زقفونة ، والكلام موجه إلى هؤلاء المتغطرسين المتجبرين الذين يخالون الناس رعاعا وجهلة وسفلة وغوغاء ، وأنهم يسكنون في مسفلة المدينة…. وهم أي المتغطرسون النخبة والطبقة الراقية والبورجوازية في معلاتها ….. وبتفكيرهم هذا يعتبرون هم الجهلة والسفلة والرعاع والغوغاء …..فاحذروا غضب بني الغبراء ..وحدأ العقلاء اا .

شاهد أيضاً

 مـــن مسرحيـــات بنــي انصـــار المبــــتـــذلـــــة الـــركـــيكــــة .بقلم ذ.محمادي راسي

    جريدة البديل السياسي /                    …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *