الحكامة الجيدة والتنمية المستدامة في صلب النموذج التنموي الجديد: أية علاقة؟

محمد البغدادي – باحث في مركز الدكتوراه  في تخصص القانون الخاص كلية الحقوق بطنجة – جريدة البديل السياسي:    

   معلوم أن مفهوم التنمية المستدامة من منظور الاقتصاد الأخضر هي منهاج في اقتصاد جديد والتوجه نحو مجالي الاجتماعي يوفر رفاهية الإنسان والعيش الكريم للإنسان ويحافظ على بيئة الأجيال المقبلة والبيئي حيث ظهر مصطلح "التنمية المستدامة" لأول مرة في منشور  أصدره الاتحاد الدولي من أجل حماية البيئة سنة 1980، لكن تداوله على نطاق واسع لم يحصل إلا بعد أن أُعِيد استخدامه في

تقرير"مستقبلنا المشترك" المعروف باسم "تقرير بورتلاند"، والذي صدر 1987 عن اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة تحت إشراف رئيسة وزراء النرويج آنذاك غرو هارلم برونتلاند. 

ومن جانب آخر ، فالاقتصاد الأخضر حسب تعريف برنامج الأمم المتحدة للبيئة هو الاقتصاد الذي ينتج عنه تحسن رفاهية الإنسان والمساواة الاجتماعية، في حين يقلل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية ويخفض من معدلات  ندرة الموارد الايكولوجية.

 و في ما  يتعلق بالحكامة الجيدة، فهي حماية الموارد المالية والبشرية من طرف عموم المواطنين مسؤولين أو مواطنين عاديين من أجل خدمة الاقتصاد  والمجتمع والمحيط من جهة، والوطن والمواطن من جهة أخرى،وذلك من خلال عقلنته وترشيده وتنميته وتطوير المحيط الذي يعمل فيه الجميع بدل هدره أو إتلافه أو تبذيره أو استنزافه والتفكير في  حماية الأموال العمومية وحسن التسيير و البحث عن المزيد من  جلب الاستثمارات ورؤوس الأموال، حيث استعمل لأول مرة من طرف البنك الدولي في سنة 1989..

وفي هذا الإطار، فلا يمكن أن نتحدث عن التنمية المستدامة في غياب الشفافية أو النزاهة أو الديمقراطية أو المراقبة أو المسؤولية أو المحاسبة  وهي كلها مبادئ وأسس تندرج ضمن الحكامة الجيدة، ولا سيما أن هناك الكثير من الخطب الملكية والتقارير الدولية كالصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أو الوطنية كالمجلس الأعلى للحسابات التي تنص بشكل صريح في أكثر من مناسبة على إشكالية الحكامة في تدبير المشاريع التنموية  وتنسيقها وإلتقائيتها، مما ينعكس سلبا في بلوغ إلى النموذج التنموي الجديد ، وهذا ما يقتضي توفر مجموعة من الأسس والمبادئ التي تنبني عليها الحكامة الجيدة لبلورة تصور حقيقي وفعلي لتأسيس هذا النموذج المتوخاة ، وهي حسن التدبير و

إشراك القطاعات الحكومية والفاعلون على المستوى المحلي والجهوي والوطني، و كذا تشارك الهيئات السياسية والهيئات التمثلية والمنظمات النقابية ومؤسسات المجتمع المدني كالجمعيات والتعاونيات والاتحادات والأحزاب والمرتفقون والمواطنون و التوافق و الفعالية وجودة الخدمات والتواصل و الرؤية الإستراتيجية، فالنموذج التنموي الجديد هو النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي يقوم

على إنتاج الثروة وتوزيعها بشكل عادل ومنصف سواء بين السياسية العمومية الحكومية أو القطاعية أو الترابية.

    وتجدر الإشارة إلى أن الحكامة الجيدة هي التي تقيس مدى تفاعل وتناغم وتجانس مجموعة من العناصر التي تدخل في منظومة التدبير و ترتكز على مجموعة من العناصر الأساسية، وهي وجود مخطط استراتيجي واضح وعملي وجود هياكل و منظومة إعلام وتواصل والتقويم المستمر للأخطار، خلافا للحكامة الرديئة  التي تعترضها جملة من الصعوبات والإكراهات ، وهي النقل غير

 التام للمسؤوليات والصلاحيات على مستوى الجهات وضعف الجسور بين مختلف مكونات المنظومة، وكذا حكامة في حاجة إلى تطوير القدرات وآليات القيادة وعدم توفر نظام شامل وفعال للإعلام وضعف فعالية المؤسسات المعنية.

وبخصوص فعالية ودور الحكامة الجيدة في تحقيق التنمية المستدامة، فإن المشرع المغربي نص على مجموعة من الآليات منها ما نظمها في إطار دستور 2011، ومنها ما أقرها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل وهي:

-الآليات القانونية: الهيئة الوطنية للنزهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ومجلس المنافسة والهيئة العليا لحماية المال العام واللجنة الوطنية لمكافحة الفساد.

-الآليات  المراقبة والتفتيشية: المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية المالية العامة والمجلس الأعلى للحسابات.

-الآليات القضائية والمحاسبة: :استقلالية السلطة القضائية المجلس الأعلى للحسابات والمحاكم المالية.

ونظر لأهمية ودور الحكامة الجيدة في تحقيق التنمية المستدامة، فإن الدولة المغربية تقع على عاتقها اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات التالية:

-يجب الإسراع في وضع مخطط يشارك فيه الجميع من حكومة وبرلمان والمجتمع المدني وجهاز المراقبة والمحاسبة والجهات القضائية وفق قيم المسؤولية والمحاسبة و تكريس الشفافية والثقافة وقيم المواطنة.

-خلق ميثاق المرافق العمومية.

-وضع ميثاق النزاهة كتخليق المؤسسات العامة وتخليق الحياة الإدارية.

-إنعاش المفتشيات داخل الإدارات والوزارات.

-توظيف النصوص القانونية في مجال حماية الأموال العمومية  والحكامة في اتجاه الجيد.

-استقلالية القضاء ونزاهته وشفافيته في اتجاه الحزم والضرب على أيدي المفسدين.

-وضع استراتيجية واضحة لاستثمار الأسلوب الجيد للحكامة في بعض الإدارات.

-تمكين الهيئة العليا لحماية المال العام من آليات التحقق والبحوث والتشخيص والفعل بدل من الاستشارية.

-اعتمادة الإدارة الإلكترونية.

-ضرورة التصريح بالممتلكات.

-الصفقات العمومية وحماية المقاولات المتوسطة وتشجيع الإستثمارات نتجية طول مساطرها.

-العمل على التنسيق والتعاون بين الآليات القانونية والمراقبة والقضائية والتشاركية في مكافحة الفساد وإنعاشها كالهيئة العليا لحماية المال العام و المفتشيات في كل الوزارات والإدارات والمجلس الأعلى للحسابات والمحاكم المالية والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة التي حلت محلها الهيئة الوطنية للنزهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

-ضرورة تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالتنمية المستدامة والحكامة الجيدة وترجمتها من خلال إخراج النموذج التنموي الجديد.

-ترجمة وإعمال الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2016-2030 في صلب النموذج التنموي الجديد.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*