“ضعف الجماعات الترابية في تدبير أزمة كورونا”

"البشير الحداد الكبير" – جريدة البديل السياسي:


بوأ دستور 2011(1) الجماعات الترابية مكانة مهمة ومكنها من آليات وميكانيزمات، الهدف منها تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية، ومنحها الإستقلال الإداري والمالي،حتى تتمكن من القيام بأدوارها على أحسن وجه.
شكلت أزمة كورونا نقطة مهمة في إظهار حقيقة الجماعات الترابية، بأنها رغم الصلاحيات الممنوحة لها دستوريا وقانونيا، ظلت عاجزة بل ضعيفة في مواجهة فيروس كورونا، في المقابل تميزت السلطة المركزية (الحكومة) بالتدبير المبني على الحكامة والشجاعة في مواجهة هذه الأزمة، وبالتالي وجدنا أنفسنا أمام سؤال محوري، أين يكمن الخلل؟ لمعالجة هذا الموضوع، اعتمدنا التقسيم التالي :

المبحث الأول :مسؤولية الأحزاب السياسية في ضعف الجماعات الترابية
 أكد العديد من الباحثين غياب الجماعات الترابية عن تدبير جائحة كورونا وإنفراد وزارة الداخلية في تدبيرها، من وجهة نظرنا، لاحظنا التدبير الجيد لأزمة كورونا وهذا راجع بالدرجة الأولى للمؤسسة الملكية والحكومة( خاصة وزارة الداخلية، وزارة الصحة)، وإذا كان تم إعطاء الجماعات الترابية أن تدبر هذه الأزمة على الصعيد الترابي، لوقعت الكارثة، إن المتتبعين للشأن القانوني،قد سبق لهم أن اطلعوا على تقرير صادر عن مديرية الجماعات المحلية التابعة لوزارة الداخلية سنة 2017،إذ تم التأكيد أنه حوالي 50٪ من رؤساء الجماعات الترابية ونوابهم يعانون من الأمية، وبالتالي كيف لرئيس أمي ونواب أميون أن يواجهوا أزمة كورونا؟ كيف لرؤساء مجالس الجماعات الترابية أميون لا يتوفرون على شهادة مدرسية ومنهم من لم يسبق له حتى أن دخل للمدرسة، أن يعتمد عليهم في تدبير أزمة كورونا؟ نسبة الأمية في الجماعات الترابية مشكل نابع من ثقافة قديمة لدى الأحزاب السياسية، أحزاب لا تهتم بتأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم،لا تؤدي واجبها الدستوري المتمثل في الفصل 7 من دستور 2011، بل تفرز لنا نخبا أمية، أحزاب مثل الزوايا تدعم أصحاب القرابة في الحزب وأصحاب المال، فتجد في الإنتخابات أن المرشح الذي يوجد في رأس اللائحة إما من أصحاب القرابة أو المال، تعطي التزكية لمن لا يستحقها، ويتم ملئ اللائحة بباقي أعضاء الحزب(لا يتمتعون بأهمية) وفي حالة فوز تلك اللائحة، يفوز بالمقعد من يوجد على رأسها، وبالتالي فالأحزاب السياسية هي المسؤولة عن غياب الجماعات الترابية في تدبير أزمة كورونا، لأنها لم تنتج لنا الكفاءات، ولم تدعم أصحاب العقول والحلول الجيدة، بل دعمت أصحاب المال والقرابة، أحزاب حينما تخاطب المواطنات والمواطنين، تعتمد على "الطعام والشراب" في جذبهم حتى يستمعوا لتصريحاتها وبرامجها الحزبية،وهذه البرامج في غالب الأحيان متشابهة تم إنجابها من نفس الرحم، بمعنى الكلام الذي يقوله هذا الحزب، يكرره حزب آخر بصيغة مختلفة، من خلال تغيير الجملة الفعلية بالجملة الإسمية أو شيئ من هذا القبيل، بل أكثر من ذلك نجد أن مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله أكد في خطاب العرش لسنة 2017 أنه لا يثق في الطبقة السياسية،ودعا جلالته أعزه الله الأحزاب السياسية إلى تجديد أساليب عملها في خطاب العرش لسنة 2018. 
وبالتالي ما هي النتيجة التي وصلنا إليها؟ أننا وجدنا أنفسنا أمام جماعات ترابية عاجزة تعاني من الشلل في تدبير أزمة كورونا، كما أن انفراد وزارة الداخلية في تدبير هذه الأزمة،يجد أساسه في الوثيقة الدستورية، فإذا كان دستور 2011 في الباب التاسع المعنون ب"الجهات والجماعات الترابية الأخرى"،قد نص على مبدأ التدبير الحر (الفصل 136) وعلى مبدأ التفريع(الفصل 140)،فإنه في المقابل نص على المراقبة الإدارية(الفصل 145).
وبخصوص تقسيم المغرب لمنطقتين، المنطقة رقم واحد والمنطقة رقم 2، فهذا لا يدل إلا على شيء واحد عن شجاعة السلطة التنفيذية في تدبير هذه الأزمة، وبخصوص إعطاء الولاة والعمال الدور القيادي في رئاسة لجنة اليقظة والتتبع بكل عمالة أو إقليم لإجراء عملية تقييم مسبق للإجراءات الواجب تنفيذها والشروط الواجب توفرها في عمالة أو إقليم ،وتجدر الإشارة أن هذه اللجنة تتكون ممثلي وزارة الصحة وباقي المصالح اللاممركزة للقطاعات الوزارية المعنية والمصالح الأمنية، كما لاحظنا أيضا إنشاء لجان يقظة جهوية إقتصادية تناط بثلاثة مهام تتجلى في تحليل الوضع الإقتصادي والإجتماعي على صعيد الجهة، وتتبع  تنفيذ قرارات لجنة اليقظة الاقتصادية المركزية فيما يتعلق بالدفع بالإنعاش الاقتصادية وحماية المقاولات ومناصب الشغل في سياق تداعيات جائحة كورونا، كما ستمثل هذه اللجان الجهوية،فضاء لبسط توصيات ومقترحات الفاعلين الجهويين من أجل الخروج من الأزمة التي خلفتها الجائحة.
 نرى من خلال كل ما سبق ذكره تكريس فعلي وحقيقي لميثاق اللاتمركز الإداري(2)،الذي يعطي للولاة الدور المحوري والجوهري على الصعيد الترابي،فميثاق اللاتمركز الإداري أبان عن أهميته، وهنا نجد سبب تأكيد جلالة الملك حفظه الله عليه، بحيث ألزم جلالته الحكومة في خطاب العرش لسنة 2018 على إخراجه، وهذا ما تم بالفعل،وبالتالي وجدنا أن سياسة اللاتركيز الإداري هي التي شكلت نقطة الدعم والمساعدة للامركزية في مواجهة فيروس كورونا،ونجد أن المؤسسة الملكية سواء في عهد جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه أو في عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله تؤكد أنه لا يمكن للامركزية الإدارية أن تتطور بالمغرب دون تدعيمها بسياسة اللاتمركز الإداري. 

المبحث الثاني: قراءة في دورية وزارة الداخلية بخصوص تعليق دورات الجماعات الترابية 
هناك نقاش قانوني عن مدى قانونية دورية وزارة الداخلية بإيقاف دورات الجماعات الترابية،والتي وجهتها للولاة والعمال، حتى يحيطوا علما مجالس الجماعات الترابية بذلك،حسب رأينا، أن هذه الدورية قانونية، رغم أن العديد من الباحثين اعتبروا أنها مخالفة للدستور والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية (111.14-112.14-113.14)(3)،لكننا نعتبرها قانونية، والسبب في ذلك، أنه بالرجوع للمرسوم بقانون 2.20.292(4) المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، وبالضبط في مادته الثالثة، نجد أنه يجيز للحكومة إتخاذ جميع الإجراءات حتى وإن كانت مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل،وهذا ما نجده حسب مدلول المادة الثالثة التي تنص على ما يلي:"على الرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، تقوم الحكومة، خلال فترة إعلان حالة الطوارئ، باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة، وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير وبلاغات، من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض.. ". 
الإشكال الذي تم إثارته، أن مرسوم بقانون هو بمثابة قانون عادي، والدورية إستندت عليه، فكيف لقانون عادي أن يلغي قانون تنظيمي، نعلم أن القاعدة المعمول بها عادة هو أن القانون لا يمكن إلغاءه إلا بقانون،والمرسوم إلا بمرسوم،والقرار إلا بقرار، وعليه
كيف يمكن لقانون عادي(مرسوم بقانون) أن يلغي قانون تنظيمي(القوانين التنظيمية للجماعات الترابية)،مع العلم أن القانون التنظيمي أعلى درجة من القانون العادي، وبالتالي لا يمكن إلغاء دورات مجالس الجماعات الترابية إلا بقانون تنظيمي،لأنه إذا ما عدنا للقوانين التنظيمية للجماعات الترابية نجد إلزامية عقد دورات المجلس والتي هي في الأصل ثلاث دورات، كما أن هناك دورات إستثنائية،لكن الدورية الصادرة عن وزارة الداخلية، أكدت على أنه لا يمكن عقد الدورات الإستثنائية إلا بعد رفع حالة الطوارئ الصحية،وبالتالي هناك احتمالين إما أن الدورية قانونية أو غير قانونية، فإنه حسب رأينا، أنها قانونية، والدليل في ذلك، أولا أنها استندت للمادة الثالثة من المرسوم بقانون 2.20.292، ثم من ناحية ثانية حتى وإن اعتبرها بعض الباحثون أنها لم تحترم التراتبية القانونية (القانون التنظيمي أعلى درجة من القانون العادي"مرسوم بقانون") ،فإننا نذكر الجميع بالمثل الفرنسي الشهير "في الأزمات الغير المتوقعة ينبغي إيجاد حلول غير متوقعة" "Dans les crises inédites il faut trouver des solutions inédites"، وهذا ما أكد عليه أيضا  الباحث فرانسوا لوشير عندما قال إن رئيس الجمهورية الفرنسية وإن عمد إلى تجاوز المقتضيات الدستورية، إلا أن هذه الأخيرة لا تكون قد تعرضت للخرق، يكفي فقط أن يكون رئيس الدولة والأغلبية البرلمانية والوزير الأول متفقين على هذه الإجراءات.(5)
خلاصة :
لقد أظهرت أزمة كورونا الضعف الذي تعاني منه الجماعات الترابية والذي نحمل مسؤوليته للأحزاب السياسية، لأنها وحدها المسؤولة عن إفراز النخب، فإذا كان العقل السياسي المركزي أبان عن حكمته وفطنته وشجاعته في مواجهة فيروس كورونا، فإن العقل السياسي الترابي ظل عاجزا ومصابا بالشلل في مواجهة هذا الفيروس، ولم يساهم في اقتراح حلول ناجعة في تدبير هذه الأزمة، وهذا شيئ طبيعي، لأنه لا يمكن لرؤساء مجالس منتخبة أميون أن يساهموا في مقترحات، فكما يقال "فاقد الشيئ لا يعطيه"، وبالتالي يجب على الأحزاب السياسية ما بعد أزمة كورونا أن تفكر في تأطير وتكوين نخبها حتى يكونوا في حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وحتى يساهموا بشكل إيجابي في إنجاح النموذج التنموي الجديد، وسنختم بمقتطف من الخطاب الملكي السامي لمولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة عيد العرش المجيد لسنة  2017،إذ قال جلالته:"… إننا نستطيع أن نضع أنجع نموذج تنموي، وأحسن المخططات والاستراتيجيات. إلا أنه : 
– بدون تغيير العقليات،
– وبدون توفر الإدارة على أفضل الأطر،
– وبدون اختيار الأحزاب السياسية لأحسن النخب المؤهلة لتدبير الشان العام،
– وفي غياب روح المسؤولية ، والالتزام الوطني ، فإننا لن نحقق ما ننشده لجميع المغاربة ، من عيش حر كريم… ".
الهوامش :
1-ظهير شريف 1-11-91 الصادر بتنفيذ دستور 2011،بتاريخ 29 يوليوز 2011،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر،بتاريخ 30 يوليوز 2011، الصفحة: 3600.
2-مرسوم 2.17.618 بمثابة ميثاق اللاتمركز الإداري الصادر بتاريخ 26 دجنبر 2018، والصادر في الجريدة الرسمية عدد 6738 بتاريخ 27 دجنبر 2018، الصفحة: 9787.
3-ظهير شريف 1.15.83 الصادر بتنفيذ القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات،بتاريخ 7 يوليوز 2015،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 6380،بتاريخ 23 يوليوز 2015،الصفحة: 6585.
ظهير شريف 1.15.84 الصادر بتنفيذ القانون التنظيمي 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم،بتاريخ 7 يوليوز 2015،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 6380،بتاريخ 23 يوليوز 2015،الصفحة: 6625.
ظهير شريف 1.15.85 الصادر بتنفيذ القانون التنظيمي 113.14،بتاريخ 7 يوليوز 2015،الصادر في الجريدة الرسمية عدد 6380،بتاريخ 23 يوليوز 2015،الصفحة: 6660.
4-مرسوم بقانون رقم 2.20.292 الصادر في 23 مارس 2020 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، الصادر في الجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر بتاريخ 24 مارس 2020، الصفحة:1782.
5-الدكتور المنتصر السويني،"المؤسسة التشريعية في مواجهة فيروس كورونا" ،منشور في جريدة هسبريس، تاريخ التصفح يوم الجمعة 12 يونيو 2020،على الساعة السابعة صباحا.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*