الرئيسية / كتاب وآراء / نكسة اللغة العربية

نكسة اللغة العربية

جريدة البديل السياسي: محمد قشتو – المغرب:

دخل المعلم الوافد حجرة الدراسة، وإذا به تستقبله وجوه البراءة بين بشوش ومتربع على طاولة الكتابة، وبما أن الموسم الدراسي لازال في بدايته قرر المعلم المبجل الإستغناء عن الكتاب المدرسي وما يحويه، فارتأ أن يسألهم عما لازال يدور في قريحتهم -وقريحة الصغار تلصق بجدارها كل ما تسمع- من بقايا أساسيات العام المنصرم.. فقال بكل حيوية ونشاط:

-ما منكم أيها المجتهدون يخبرني بفرائض الوضوء ؟ …

فألتفت في الفصل كله يمنة ويسرة فلم يجد إلا واحد من الصبية الفاتنين بجمال نشاطهم وبشاشتهم، زد عليه البدلة التقليدية السوداء المزينة بربطة عنق حمراء، وعلى رأسه طربوش أحمر تقليدي.. أنقته أمه بجمال مظهره ذلك الصباح..

فقال بعد أن تلقى إشارة الموافقة من معلمه: -لم ندرس هذا..

لكن أنا علمتني أمي كيف أتوضأ !!

– جميل.. لا شك أنكم تعرفون شيئا من سيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز، فمن منكم يخبرني بأحد مواقفه البارزة ؟ ….

فألتفت في الفصل مجددا، فإذا بصوت بريء يتردد من آخر الصف، إنها الكتكوتة الصغيرة الجميلة تقول من دون تردد ولا خجل: -ما درسنا هذا.. سأحدثك إن شئت على ثورة البلاشفة، وأحدثك بإحدى مواقف الزعيم ستالين !! وسكت المعلم المسكين ينظر مشدوها، أيكمل تقويمه أم يصرف بداية حصته إلى شيء آخر ..

ولكنه مع ذلك لم ينس حينئذ أن المناهج الدراسية منذ كان مستمعا وتلميذا وهي كذلك، بل تزداد خرابا واندثارا سنة بعد أخرى.. إنغمس الوافد في حيرة مما نزل به وألم برأسه من واقع التعليم ببلاده، فبدأ يفكر في خطوة تكون له ذخرا وزادا إحتسابا لوجه الله تعالى.. وتقيه السؤال عن هؤلاء الصبية فيم سيعلمهم وسينفعهم به، وبدأ من ذات اللحظة يفيدهم ويسألهم بأسئلة تجذبهم وترغبهم وتنشئ الفضول العارم في مفكرتهم: -ألا تعلمون أن خالد بن الوليد أفضل من ستالين ونابليون وفيكنير… وأن معركة بدر الكبرى، ومعركة حطين وغيرها أكثر إثارة عما تسمعون به من البلاشفة وأجينكورت و..و..و..و..

فبدأ الفضول والحماس يعلن هيجانه بأمر من قبيل: حدثنا عن خالد.. متى وقعت بدر؟.. من كسب حطين؟… هكذا ينبغي لكل معلم ومدرس أن يدرس أبناء وطنه ومجتمعه، بعدما صرنا نرى المدرسة النظامية بعدما كانت مثالا يحتدى به في العلم والمعرفة تسير إلى خراب تلو خراب، ومن نكسة إلى أخرى، فإذا صار كل شيء يأذن بإنزال المدرسة إلى الحضيض فإننا نحن جميعا في هذا المجتمع نستطيع رفع المدرسة من الحضيض إلى الأعالي…

لن نكون شيئا أمام هاته الأمواج العلمانية العاتية إذا تفرقنا، يجب على المعلمين والمدرسين والأباء والأمهات والمتمدرسين وجميع مكونات مجتمعنا المسلم أن نؤمن تمام الإيمان بمقتضى قول الله تعالى " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" قولا وعملا وتطبيقا، فإذا كنا كذلك طهرنا المدرسة وجميع مؤسسات المجتمع من الوحل الذي تتخبط فيها والفساد الذي تتوغل فيها.. فإذا كانت هذه الوزارة أو هذه الحكومة تطل علينا كل عام بمقررات جديدة ومناهج مدرسية جديدة، إتسعت الفسحة بينها وبين قيم المجتمع فإننا بإمكاننا نحن الأباء والمدرسين والفاعلين الجمعويين وكافة طاقات المجتمع إيقاف هذا المد العلماني الذي يعمل فينا وبين جنبينا، أليس بإستطاعتنا أن نشحد همم هؤلاء الصبية بتلقينهم الدروس الإسلامية الخالصة من شيب العلمانية ونعرفهم بذلك؟ أليس كل واحد منا يقدر على توعية كل عشرة أفراد من محيطه بهذا الزلل؟

وكل واحد من أولئك العشرة يحاول توعية عشرة أخرى من الأفراد، تخيلوا معي لو عملنا على هذا الأساس شهرا أو شهرين كم من إنسان يعلم بعدما كان جاهلا. إنني أكتب إليكم الآن، وبي إمتعاض شديد من واضع " البريوات، البغرير، غريبة " أليس لسان العرب لإبن منظور الإفريقي هو المرجع الكبير والمصنف الضخم في معرفة الألفاظ العربية؟ ومثله مثل القاموس المحيط للفيروزآبادي وكذا جمهرة اللغة لإبن دريد الأزدي، والمجمل والمقاييس لإبن فارس، وهلما جرا لغيرها من المراجع النفيسة في هذا الباب، حاولت كثيرا وأنا أبحث في هذه الأمهات علني أجد شيئا من قبيل هذه المصطلحات أبرر بها وجودها داخل المقررات الدراسية..

وأهدئ بها امتعاضي لكن دون جدوى.. أيها الناس علموا أولادكم العربية وفنونها قبل الأجنبيات وأبجادها، لكي يعلموا من تلقاء أنفسهم أن هاته المصطلحات المدرجة في مقرراتهم أصلها باللسن الدارج، فإذا كان هذه السنة قد أضيفت مصطلحات معدودة على رؤوس الأصابع فإنه لا شك في قابل السنوات ستضاف ألفاظ أخرى، حتى تجيء علينا سنون يغلب فيها اللفظ العامي على الفصيح… أبذلوا جهوكم وأموالكم وأوقاتكم وكل ما تملكون في نصرة اللسان العربي الذي كفاه فخرا أنه به أنزل القرآن، وكذلك في تعليم أولادكم فإنكم تسألون عليهم وعليه، فقد رمينا من الأعداء بالداء الذي التصق بنا .

فهل سمعتم قط بـ: #المسائل العشر، المتعبات إلى يوم الحشر# التي استشكلت واستعصت على ملك النحاة الموسوم قيد حياته الحسن بن صافي؟ هذه المسائل هي التي قال فيها صاحبنا الحسن هذا، ضعوها معي في لحدي حتى أحلها فيه .. وأنا أسأل عموم القرآء لهذه الكلمة البسيطة، إذا كان ملك النحاة فد أفنى عمره كله في تعلم وتعليم النحو الذي به تقوم ألسنتنا وتستقيم ألفاظنا من اللحن والغلط، حتى بلغ به الأمر أن تستعصي عليه عشر مسائل فقط، إذن فيم تعبنا نحن لنخلد مجدا من أمجاد هذه الأمة وقد أدمج "البغرير والغريبة والبريوات" في مقررات التلاميذ، ولا نستطيع أن نمنع أولادنا أسبوعا من الدراسة حتى تسحب هذه الألفاظ العامية التي يدعوا إليها الخوارج من بيننا.

إن أهم ما تقدمت به الأمم في عصرنا هذا الحفاظ على لغتها الأم، مع ما فيها من عيوب شتى، واختلالات عظمى، فقد إستطعوا أن يفرضوا أنفسهم على معظم العالم، أنظروا على سبيل المثال إلى اللغة الإنجليزية فقد إهتم بها أهلها حتى غدت في يومنا ونحن نطل على العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين لغة العالم الأولى.. فلو وضعنها في كفة ووضعنا لساننا العربي المبين القيم المحكم في كفة، أتعتقدون أنه ستزن كفة اللغة الإنجليزية لأنها سادت العالم، كلا والله لن تستطيع أن تهزم لغة كفاها فخرا وشرفا وعزة أن بها انتشر الإسلام في ربوع العالم، ناهيك على أنها محكمة الأصل والقاعدة، حتى صار لسان شعراء الجاهلية قبل الإسلام من أمثال الحطيئة وأبي نواس يعرفه إبن عصرنا.. فبعد قرون من الزمن لم يعتريها وهن ولا ضعف من بين يديها ولا من خلفها إلا ما ألحقنه بها نحن أهلها، وما جاءها من الخوارج والعلمانيين الذين عجزوا عن الفتك بها واستئصال أوصالها… فما أدمج في المقررات من العامية ما هو إلا إحدى هذه المحاولات، فعرفوا ذلك لأبنائكم وبناتكم في البيوت قبل المدرسة أيها الأباء، وأنتم أيها الغيورين من المدرسين والمدرسات أكدوا عليهم هذا داخل حجرات الدراسة، لعلنا نعود إلى مجد من أمجادنا السالفة السابقة. إننا جميعا نستطيع وبمقدورنا أن نجعل العربية تطوف على العالم بأسره، وتكون هي لغة العالم الأولى بدل هذه اللغات الأجنبية، بمقدورنا أن نجعل هذه اللغة تدرس في معاهد الأعداء في كتاب سيبويه وأمثاله، لكن بعد أن نستلذ بمتعتها في دورنا ومدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا وندواتنا بين أبنائنا وأبائنا، بعد أن نلقنها بخالص النية ونأخذها بيقين خالص، بعد أن نصير بعضا منها وتصير بعضا منا، حتى إذا أقام المعلم متعلمه بين زملائه فيتكلم بطلاقة وسلاسة وبدون غلط ولحن، حتى تصير إذاعاتنا وبرامجنا وجرائدنا ومؤلفاتنا خالية كلها من اللحن الفظيع..

بعد هذا كله نستطيع أن نطوف بهذه اللغة في العالم وتصير في أول قائمة اللغات العالمية، فكيف تريدون هذا ونحن أهملنها وأضعفنها حتى تركنا بعض الببغاوات ممن عجز هن معرفة الفاعل من المفعول به ينصرف عنها بإدراج العامي بين الفصيح لكي لا يتعذب في تعلمها. أين نحن من الرافعي ومعروف وطه حسين والجاحظ وابن قتيبة وابن النديم ومثلهم كثير… هؤلاء هم الذين عرفوا هذا الكنز الذي خص بهم فانقضوا عليه بالنواجد، وتناولوا سهله وصعبه حتى بدا في أقلامهم وثقافتهم وأشتهروا به أكثر من شيء آخر..

لعل جميعنا أو نصفنا أو بعضنا يعرف كتاب الأيام في أجزائه الثلاثة لطه حسين، واللغة التي تحويه تستلذ بها الأنفاس وتستعذبها الأذواق، ولو ترجم لجميع لغات العالم كلها وأعاد بعضنا قراءته ما وجد الحلاوة التي ذاقها وابتلعها عندما قرأه بالعربية… إن السر المكنون يكمن فيم بين هذه الحروف الثمانية والعشرين عندما تمتزج فيم بينها.. فمنذ متى والأدباء الفقهاء، والفقهاء الأدباء ينادون ويصرخون: يا أيها العرب لغتكم .. لغتكم أيها العرب؟ 

 

شاهد أيضاً

من وحي الصيف…أجسام وأجساد فوق الضفير وأسماء وأشياء أخرى!!

بقلم ذ.محمادي راسي-جريدة البديل السياسي:                             فوق الضفير من شروق الشمس إلى غروبها ، يولد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *