الرئيسية / كتاب وآراء /     من وحي الصيف ــ2ــ بقلم ذ.محمادي راسي 

    من وحي الصيف ــ2ــ بقلم ذ.محمادي راسي 

 

جريدة البديل السياسي:                 بقلم ذ.محمادي راسي :

 

من الأرشيف 

""""""""""  

                  من وحي الصيف ــ2ــ

  """"""""""""""

المدرسة المشائية الصيفية للشيشة

في دورتها الصيفية الثالثة2013م

           &&&&&&&&&&&&&&&&&

 

                                إخالني أنني في مدينه أصيلة الصغيرة مدينه الرسامين والكتاب والشعراء والأدباء ، مدينة الشعر والشعور ، والطبيعة الخلابة ، وهناك ثلة من أصدقاء  في الدراسة والكتابة ، ومن بينهم الفنان التشكيلي خليل غريب ، فإن كانت صغيرة "فمحاينها كبار" كما يقول أهلها ، ذات الأصيل الذهبي ،والغروب العسجدي  ،كأن الشمس تنغمس وتغطس في مياه المحيط الأطلسي ،ذلك المحيط الذي كلما مددت بصرك إلى ما وراء الأفق المغلق المطبق ، إلا وزدت وجلا وتعجبا لشساعته وعظمته وقوة تدفق علاجيمه المتحطمة على جلاميد صلادم ، لها تاريخ عتيق عميق ، إنك أمام خضم تبدو إزاءه  كذرة صغيرة ، بل ، إنك أمام المجهول طولا وعرضا وعمقا ، لولا خريستوف كلومبوس ، أو كريستوبال كولون بالإسبانية ، لما عرفنا ما وراء المحيط المسمى بالعالم الجديد ، كأن المياه التصقت وانطبقت مع الفضاء ، فأنت أمام صورة شعرية لا مثيل لها : وأطة زجاجية  ملساء زرقاء متحركة متغيرة اللون ، تنهبها الزخارف الضخمة ، والسفن المقشرة الطويلة ، وسقف بلا أعمدة و لا إسمنت ولا نقش ولا زفت ، ولكن ، تزينه النجوم المعلقة في الهواء التي تزداد تلألأ ليلا ، وتختفي نهارا ، بدون أعمدة وأسلاك كهربائية ، بعيدا عن هذا الفضاء الشاعري ، تمتاز أصيلة بجامعتها الصيفية "المعتمد بن عباد "،وقد شد الرحال إليها المفكرون والفنانون والشعراء والكتاب والأدباء  وغيرهم ،للمشاركة في الندوات والأشغال للتباحث والنقاش في أمور: تتعلق بالإنسان والأرض والإبداع بأنواعه المختلفة ،وكان شعار الدورة هو: "أصيلة مدينة الفنون "،أما نحن في مدينتنا فالدورة تستغرق الصيف كله وتصل إلى فصل الخريف ، بدون شعار وإشعار وإخبار في الجرائد المحلية والوطنية والمواقع الإلكترونية والإذاعة والتلفزة عن هذه الدورة الصيفية ، وإعلام للسلطات الأمنية والمحلية ،وبدون تنظيم من  الجمعيات الثقافية ، والجامعات الصيفية ،وبدون تعيين مدير لتسييرها وتدبير أمورها ، وبلا رخصة لهذه الدورة الطويلة الأمد ، ومن الذي رخص لها ؟؟؟؟.

 

                        نحن اليوم في الدورة الصيفية الثالثة لهذه المدرسة الجديدة ، بدون أهداف تثقيفية ولا ترفيهية ،وتعقد هذه الندوات  ندوات الشيشة وما يشبهها في الهواء الطلق ،وفي أمكنة عمومية ،ومن بينها الحديقة التي انتقلت من الحديقة العامة إلى الحديقة الخاصة ، لفلان وعلان وتيهان  ونبهان وزعنان وما جاورهم … حتى أصبحت سبتاء ، تعقد فيها جلسات دائرية ، لكثحات على نمط حلقات الدرس في الأزهر وغيره ، يتصاعد منها الدخان الملوث للمنعقدين القاعدين طوال الليل  ، الكراسي تكظ وتكل من قعودهم ، والأسماع تمج ثرثرتهم وتهذارهم وتهاذيهم ، والعين تعف وتعيف رؤيتهم ، ذلك الدخان الذي يلوث المارين المتنزهين والساكنين القائمين اللبدى ، إن جلوسهم يذهب هباء منثورا ،بين الصحوة والسكرة وفي السمهى ، كما ذهبت هيف لأديانها ،  لا يخرجون بنتيجة رغم الثرثرة والبقبقة والقهقهة والفخفخة والخفخفة ، يظلون إلى السحور في شهر رمضان ، والذين يترأسون هذه الدورات الحديثة المستحدثة ، هم أمثال السبتان في البستان الذي تحدثت عنه سابقا من حيث شخصيته وشكله وعقليته وحالته المادية والنفسية ، "الدورة الصيفية الأولى "،فقلت فيه :"نبهتني مواظبة السبتان وتردده على البستان ،فظننته حارسا بستانيا ،أرسل من طرف المسؤولين للمحافظة على الحديقة من تهارش الكلاب ،وصد المخربين …….إن هذا السبتان يفعل ما يشاء في البستان لغياب الديدبان…إلى أن يأتي فصل الخريف والشتاء حيث الزمهرير والقرس والرياح والأمطار ،هذه العوامل الطبيعية تنوب عن السلطة المحلية ،في إجلائه وأمثاله وغيرهم من الندمان ..من البستان القحطان الجدبان من فرط النسيان ،من طرف التسلطية وبعض الأعيان وأهل الشأن "  ،وكذلك العتال النقال في شخصيتة "الدورة الصيفية الثانية " الذي يطوف في النهار منتظرا متربصا ،وأحيانا مستجديا ثم يلتحق بالمدرسة المشائية للشيشة ليلا، ليناقش في أمور خارقة فارغة ،وقلت فيه أيضا " يظل يستعطي ويستعطف لأجل حمل أمتعة لسائح أو وافد ،متحملا حرارة الشمس ،والبرد القارس ،لا أقذ ولا مريش إلا ما يحصل عليه من هبة أو بخشيش ،في وسط النهار يبحث عن كسرة خبز، وحبات زيتون ،وعلبة" تون" ،يظل إلى أن يجن الليل ،يقصد مقهى ـــكأم حبيب ـــ ذا أدوار متنوعة ،في النهار فضاء للشاي والقهوة ،في الليل فضاء للشيشة …..العتال ينتظر خلانه ،يتربع في جلسته وهو رباعة أصدقائه كأمير ،أو أنه بطل المقهى ،أو سلطانه ،أو أنه شهريار ينتظر شهرزاد ،لتتم سرد الحكايات عليه إلى الفجر …..يظل هكذا مزهوا متعجرفا ، هناك أمثال هذا النقال الذي لم يشبع حتى جابر بن حبة ،وهو يبحث عن حبة جديدة …" وأمثال الصعفوق  الحال بهذه المدينة الذي لا يبحث إلا عن" الهمزة" و"ألعاقة " و"التدويرة " و"القهيوة " والغنيمة الباردة ، والسفيه الذي اجتمعت فيه الصفتان : الهبنق والهبنك ، ثم البسيط المنتقل إلى المركب إلى أن تحول بنفسه إلى المعقد فيلجأ إلى الشيشة لينفك من العقد ، ليصير في النهاية إلى المدمن القعدودة ، ويتيه مع دخان النارجلية ، ولهذه المدرسة أتباع يأتون في الدجج من كل فج ومحج ، ومصر ووبر ومدر و"مدشر" ، وحدب وصوب ، وهلم إتيانا وإقبالا على هذه الزاوية الشيشية مقرها الحديقة العمومية ، راكبين وراجلين ، متأبطين قماطر فيها النارجيلات ،وبالعامية "أركيلات " ومستلزماتها ،لا يحملون فيها مواضيع لمناقشة مشاكل المدينة ، ولا نصوص قانونية لدراستها ، ودراسة حالة المدينة البئيسة اليئيسة التعيسة ، وما يقومون به هو المسح الطوبغرافي لنوافذ وأبواب العمارات ، واستفزاز الجيران الساكتين الموهونين ،يعضهم الناموس ،  تزعجهم الجداجد ،وينم عليهم الذباب ،وهم لا يشعرون كأنهم أهل الكهف ،تطوف عليهم البغال والحمير ،بل ترعى العشب بجانبهم ،أو ربما تعجبها رائحة الشيشة ،أما الكلاب فتظل تنبحهم لمغادرة الحديقة ،وتبول وتتغوط أمامهم ،وهم لا ينتبهون ولا يفقهون أنها تريد قضاء لبانات الفؤاد المعذب …انتبهت الكلاب والبغال والحمير إلى أن أهل الشيشة في الحديقة احتلوا ملكها الخاص ، فلجأت إلى النباح والنهيق والصهيل كاحتجاج ، والتبول والتغوط والتعاظل كاستفزاز ، أما نحن فلا شعور ولا إحساس لنا ،أصابنا الخرس والبكم .. وحصل لنا ما حصل للذي يغضي على القذى .إنها مفارقات عجيبة ، ومن عجائب الأمور أن الحيوان أذكى من الإنسان في هذه البقعة القفراء، والرقعة الخرقاء ،إن وضعيتنا وضعية المعادلة غير المعينة أو السيالة ذات عدد جذورها غير متناه ، أو المستحيلة أو المحالة التي ليس لها جذر. 

                     فهل من منقذ لهذه الحديقة  القاحلة الماحلة المخنة المليئة بمناديل ورقية للمخاط و"التنفيحة "،وقوارير بلاستيكية وزجاجية  يتركها بعض الرواد كل ليلة أهل القذر والقذع ، وغيرها من القاذورات فكأننا نعيش أيام الهيبية السالفة المندثرة العابرة التي لم يعد لها أثر ولا نشر ولا خبر ؟؟

                   مات  الضمير والإحساس ، غاب العقل والشعور والوعي ، لا وجود لنا في هذه الرقعة الهامشية المهمشة ، نزداد جهلا وتحجرا واستبدادا ،لا ضوابط تضبط هذه الرقعة ، ولا منظومة نسير على نهجها ، غابت الأخلاق وغابت معها الحرية ،فلا حرية بدون أخلاق ،  وكما قال جون كينيدي :"الحرية بدون تعليم في خطر دائم ،أما التعليم بدون حرية فيذهب سدى " ، غاب القانون والتغريم لكبح كل متعجرف متصلف مستبد ،لا يريد أن يرعوي ويتعظ ،ويرجع إلى جادة الطريق ،وفي الأخير أفلت الثقافة الفنية والاجتماعية والسياسية والفكرية والصحية وكل ماله علاقة بالثقافة والحضارة والتمدن والمدنية والمواطنة …..

فهل من منقذ لهذه المدينة التي استشرى فيها النهض والقسر، واستفحل الفساد والمنكر وو. ……وهل من مناهض لهذه المدرسة الغريبة الدخيلة على هذه المدينة البريئة ،وللذين يتبعون سلوكاتها  المهلكة .ونتائجها الوخيمة مستقبلا .. والتي تعلمهم الكسل والتواكل ، والبحث عن التنبك والنارجيلة، وهما من مراجع ومصادر هذه المدرسة :

مدرسة الفشل والكسل ، والرسوب في الحياة ، والسقوط في الهاوية ،وتضمن لهم التوجيه المدرسي في الانتقال إلى المستشفيات لمعالجة الأمراض العقلية والمزمنة ، وبالتالي تنتج فردا ـــ وهو هدفها ـــ ساقطا قاسطا مضطربا نفسيا وعقليا وجسميا غير صالح للوطن والأسرة والأهل ، وغير قادر على العمل ، وتحمل المسؤولية ، كأنه أصابه الشلل يعيش على الهامش وخارج المجال ، فالعمل كما قال فولتر يبعد عن الإنسان ثلاثة شرور: السأم والرذيلة والحاجة ….؟؟؟ .

وبعد ،

                          لما ذكر أعلاه نرفض هذه المدرسة الفاشلة وغيرها من المدارس السلبية ذات برامج مسمومة :تسمية وهدفا وشكلا ومضمونا ونظاما ومنظومة وبرنامجا ….لأنها وباء يصيب المجتمع والساكنة والشباب ،  ثم ينخر الجسوم ،فأين البدع والموضات والمذاهب …؟؟ لا بد من رفض هذا الأنموذج الوجء ،لأنه هو الوباء والداء

والودأ.،ولا يرجى منه البروء والشفاء ،وإن كان الذي أنزل الداء أنزل الدواء ، لأن هذا الأنموذج ليس له علاج ولا  دواء ، ما دام الفرد مداوما على الإدمان ، ولم يقم بالوقاية المتجلية في الابتعاد عن هذه المدرسة الفاشلة الحالمة الخاملة ،لأن المدمن لا يتعظ إلى أن يصيبه الخمال ، والمرض العضال ، وداء الهلس والهوس ، وقتئذ ويومئذ لا تنفع

الوقاية ولا  العلاج ولا الندم ولا الحمية التي هي رأس كل دواء ،لذا فإن الابتعاد واجب عن هذه المدرسة ، وغيرها من المدارس المستحدثة المستهدفة في هذه المدينة الوديعة والتي هدفها ، إنهاك وإهلاك جسم وعقل الإنسان ،ذلكم الإنسان السلبي الذي لا يفكر في الوسط الذي يعيش فيه ، ولا يعي بما يحيط به ، لا يميز بين الصالح والطالح ،وبالتالي لا

يحس ولا يشعر ولا يبدع ،ولا يجهر بالحق ،ولا يحارب المنكر والشر ،فهو يعيش على الهامش بسبب المدارس التي تقدم السموم لجسوم الإنسان ،وهي التي تحول الدارس بها  :، من الإنسان العاقل إلى الإنسان الغافل ،تحوله من الإنسانية إلى الهمجية والبهيمية والخرف والهذاء والهراء والهذيان والجنون والتيهان واقتراف الجرائم ، وغيرها من الأمور

التي لا تمت بالأخلاق الإنسانية والشريعة الإسلامية والقانون ،على الآباء أن ينتبهوا إلى هذه المدارس التي تشكل طامة كبرى، وآفة عظمى ،بل هي من المهالك التي تدفع إلى التهلكة والطغومية ،وتجعل المتخرجين منها أذلاء أقذاء أهكاء.

شاهد أيضاً

من وحي الصيف…أجسام وأجساد فوق الضفير وأسماء وأشياء أخرى!!

بقلم ذ.محمادي راسي-جريدة البديل السياسي:                             فوق الضفير من شروق الشمس إلى غروبها ، يولد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *